أحمد بن علي القلقشندي

19

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

تكررت زلَّاته ، وتتابعت عثراته ؛ تناوله من عقوبته بما يكون له مصلحا ، ولغيره واعظا . وأن يختص أكابرهم وأماثلهم وأهل الرأي والخطر منهم بالمشاورة في الملمّ ( 1 ) ، والاطلاع على بعض المهمّ ؛ مستخلصا نخائل ( 2 ) قلوبهم بالبسط والإدناء ، ومستشحذا بصائرهم بالإكرام والأحتفاء : فإنّ في مشاورة هذه الطبقة استدلالا على مواقع الصواب ، وتحرّزا من غلط الاستبداد ، وأخذا بمجامع الحزامة ، وأمنا من مفارقة الاستقامة ؛ وقد حضّ اللَّه تعالى على الشّورى حيث قال لرسوله عليه الصلاة والسلام : * ( وشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) * ( 3 ) . وأمره بأن يعمد ( 4 ) لما يتصل بنواحيه من ثغور المسلمين ، ورباطات المرابطين ، ويقسم لها قسما وافرا من عنايته ، ويصرف إليها طرفا بل شطرا من رعايته ؛ ويختار لها أهل الجلد والشّدّة ، وذوي البأس والنّجدة : ممن عجمته الخطوب ، وعركته الحروب ؛ واكتسب دربة بخدع المتناوبين ( 5 ) ، وتجربة بمكايد المتقارعين ؛ وأن يستظهر بتكثيف عددهم ، واختيار عددهم ؛ وانتخاب خيلهم ، وإستجادة أسلحتهم ؛ غير مجمّر ( 6 ) بعثا إذا بعثه ، ولا مستكرهه إذا وجّهه ؛ بل يناوب بين رجاله مناوبة تريحهم ولا تملَّهم ؛ وترفّههم ولا تؤودهم : فإنّ في ذلك من فائدة الإجمام ؛ والعدل في الاستخدام ؛ وتنافس رجال النّوب فيما عاد عليهم بعز الظَّفر والنّصر ، وبعد الصيّت والذّكر ، وإحراز النفع والأجر ؛ ما يحقّ على الولاة أن يكونوا به عاملين ( 7 ) ، وللناس عليه حاملين . وأن يكرّر على أسماعهم ، ويثبّت

--> ( 1 ) في مآثر الإنافة « العلم » . ( 2 ) نخيلة قلبه : خالصه . ( 3 ) آل عمران / 159 . ( 4 ) في حاشية الطبعة الأميرية : « في رسائل الصابي : بأن يضم ما يتصل » . ( 5 ) في مآثر الإنافة : « المتنازلين » . ( 6 ) في اللسان : « تجمير الجند أن يحبسهم في أرض العدو ولا يقفلهم من الثغر » وهو المراد هنا . ( 7 ) في مآثر الإنافة « ما يحق أن يكون الولاة به عاملين » .